|
ثالثاً: لا بل العلمنة تتفق، بنظري، مع الإيمان، أكثر مما يتفق معه
النظام الطائفيّ أو الدولة الدينية.
بل أن
القضية تتعدى، برأيي، مجرد نفي التعارض، إلى تأكيد انسجام عميق بين
شروط العلمنة الصحيحة ومتطلبات الإيمان، إذ أن الأولى توفر للثاني
مناخاً أكثر ملائمة لحيويته ونقاوته من ذلك الذي يوفره النظام
الطائفيّ:
1 – لأن
النظام الطائفي (على الطريقة اللبنانية) أو الدولة الدينية، لا يقيمان
وزناً للحرية الشخصية، تلك الحرية التي لا إيمان حقيقي بدونها.
فالإنسان محسوب فيهما على الطائفة الدينية التي يولد فيها، وتُفرض
عليه، بالتالي، مراسمها وأحكامها، من حيث التربية والزواج والطلاق
والميراث و... الدفن، دون أن يُحسَب حساب لمواقفه وقناعاته الشخصية،
مما يفرز نوعاً من التدين السطحي ويغذي الرياء ويشجع النزعة الانتهازية
التي تتخذ من التدين الظاهريّ ذريعة لبلوغ المآرب.
لقد كتب المفكر الفرنسي مونتسكيو هذه الجملة المأثورة:
"بوسع
السماء وحدها أن تنشئ الأتقياء، أما الحكام فإنهم ينشئون المنافقين".
أما
العلمنة، فتنشئ مناخاً من الحرية يستقيم فيه الإيمان، لأنه لا يتأتى
عند ذاك عن مصلحة أو اضطرار ولكنه يُبنى على القناعة والإخلاص.
2 – لأن
العلمنة تحرّر الدين والمجتمع من تجربة السلطوية والهيمنة التي لا
تتورع أن تتخذ من الله نفسه – في ظل النظام الطائفي – ذريعة لإشباع
شهوة الحكم لدى الأفراد والجماعات. الإنجيل يميّز بين الله وقيصر، لا
ليجعل من مجال قيصر مجالاً مستقلاً عن الله ("فللرب الأرض بكمالها،
المسكونة وكل الساكنين فيها"، كما تنشد المزامير)، بل لكي لا يُزجَّ
الله نفسه (وهو الحرّ الذي يتعامل مع أحرار صنعهم على شبهه) في منطق
قيصر، الذي هو حكماً منطق الإكراه؛ لئلا يتحول حكم الله إلى صورة
مضخَّمة عن حكم قيصر، لئلا يُمسَخَ الله إلى صورة قيصر إلهي يحكم
بالسيف والإرهاب، فيمنح لأتباعه ذريعة لكي يحكموا على هذا المنوال
(لأنك إنما تكون على صورة الإله الذي له تتعبد).
إن الدولة الدينية خير إطار لإذكاء النـزعة لدى المتدينين (الذين إن هم
إلا بشر تحت الضعف، قبل كل شيء، وإن كانوا سرعان ما يتناسون ذلك) إلى
اتخاذ الله مبرراً لإشباع هوى التسلط عندهم، هذا الهوى الذي هو على
نقيض مقتضيات الإيمان الإنجيلي (فدعاهم يسوع وقال لهم: تعلمون أن الذين
يُعَدّون رؤساء الأمم يسودونها، وأن أكابرها يتسلطون عليها. فلا يكن
هذا فيكم ..."
). التسلط يبَّرر عند ذاك باسم الله ويعتبر تعبيراً عن "حكم الله" في
الأرض. هكذا تصبح الدولة الدينية خير مجال لإجهاض الديمقراطية عن طريق
إسكات كل معارضة، بحجة أن معارضة خط الحكم ونهجه إنما هي معارضة لحكم
الله، تجعل من يسلك فيها في مصف "أعداء الله" الذين لا تجوز الرأفة في
معاملتهم. كما أن الدولة الدينية هي، من هذا القبيل، خير أرضية للحكم
على المجتمع بالجمود والسلفية، بحجة أن كل مطالبة بالتجديد إنما |