مقدمة كتاب الله والشر والمصير

 قراءة كتابية ...

هذا الكتاب مكوّن من مجموعة مقالات كُتبت بين حزيران 1982 وكانون الأول 1991، وقد استعيدت هنا وبُوّبت وأُدخل عليها بعض الإضافة والتعديل. كانت قد ألقيت أصلاً في إطار "ندوة الثلاثاء"، وهي حلقة كانت تُعقد مرة كل أسبوعين في فرع طرابلس – الميناء لحركة الشبيبة الأرثوذكسية، بين حزيران 1981 وكانون الأول 1991، وكانت تقوم على أسئلة يطرحها الشباب حول كل ما يتصل بالإيمان وعلاقته بفكرهم وحياتهم، ثم يشاركون في الإجابة عنها مجتمعين بإشراف محاضرٍ (وقد كنتُ واحدًا من هؤلاء المحاضرين) كان ينسّق مداخلاتهم ويختتمها بعرض يلقيه حول موضوع السؤال المطروح.

هذا وإذا تمعّنا في الأسئلة التي انطلقت منها مواضيع الكتاب، لفتت نظرنا صورة عن الله تُستشف من خلالها، وهي صورة إله جبار منتقم "ينزل غضبه على الإنسان" و"يقتل في سبيل التأديب" و"يرسل إلى جهنم" ويضحي بابنه الوحيد لإرضاء عدالته المهانة وأخيرًا "يفني البشرية" في اليوم الأخير. ذلك التصوّر عن الله استمدّه الشباب من محيطهم العائلي والاجتماعي وتشرّبوه عبر التربية التي تلقوها (وهي تربية قمعية عادة، تستند لتبرير نهجها إلى هذا التصوّر وتغذّيه وتخلّده بآن). ولكن الشباب لم يرتاحوا إلى هذه الصورة رغم تلقينهم إياها، لا لأنها صدمت حسّهم الإنساني وحسب، بل لأنهم اكتشفوا – كما تعبّر بعض أسئلتهم – تناقضًا صارخًا بينها وبين الصورة التي وصلتهم عن الله من احتكاكهم بالإنجيل وتأثرهم بمناخه عبر انتمائهم إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية، فأثار هذا التناقض مشكلة لديهم ودفعهم إلى السعي لاستجلاء الحقيقة رفعًا لكل غموض.

هذا ما قادنا إلى التركيز، في هذا الكتاب، على التعرّض لصورة شائعة بين الناس، تشوّه بنظرنا وجه الله تشويهًا فادحًا. إنها صورة إله تُنسب إليه الشرور الطبيعية كالأمراض والمصائب والكوارث، سواء أتمّت هذه النسبة بصورة فظّة كما في التعبير الشعبي الذي يتردد على الألسنة بشكل تمنٍّ: "الله لا يضرّك" (مما يفترض أن الله كائن يُخشى ضرره وأذاه)، أو بالصيغة الملطّفة التي يستخدمها المتنوّرون وهي أن الله "يسمح" بهذه الشرور، وكأنه يتنصّل منها ويغضّ النظر عنها بآن (وكأن هؤلاء، كما أشار أحد اللاهوتيين، يجعلون من موقف الله موقفًا شبيهًا بموقف بيلاطس البنطيّ عندما "غسل يديه" متنصلاً من موت يسوع الذي كان قادرًا أن يمنعه لو شاء), هذا بالنسبة للشر الطبيعي. أما الشرّ الخلقي، أي الخطيئة، فموقف الله منها، على حدّ الرأي الشائع الذي نحن بصدده، أشبه ما يكون بموقف أحدنا إذا ما لحقته إهانة. فهو يتربص لمرتكبي الخطيئة ويصبّ عليهم جام غضبه وينزل بهم أشد الويلات، ويميتهم "تأديبًا"، وإذا ما أصرّوا على عصيانه "يرسلهم" بعد موتهم إلى جهنم ويعذبهم بالنار بلا رحمة إلى أبد الآبدين.

هذا الإله "الإرهابي"، الذي هو على صورة قسوة قلب الإنسان (الناتجة عن ضعفه وعجزه وفنائيته)، بدل أن يكون نقيض الشر، إنما هو كليًا من جهته. فهو الذي يرسِل الشر الطبيعي أو يتغاضى عنه، وهو الذي يعاقب على الشر الخلقي بشر أعظم، باسم عدالة هي أشبه ما تكون بالانتقام. وبالتالي، في هذا المنظور، يكون الشر هو المنتصر الأكبر، ويكون للموت الكلمة الأخيرة في الوجود.

إلا أن هذا "الإله" إنما هو على نقيض الإله الذي انكشف لنا في تعليم يسوع وسيرته، والذي "لا نعرف آخر سواه"، لأن كل تصور لله ما عداه مشوب بالأهواء والهوامات البشرية. وقد عرفنا بيسوع المسيح أن "الله محبة" (1 يوحنا 4: 8 و11)، وأن المحبة اسمه الفريد وصفته المميّزة. من هنا أن هذا الإله لا يرسل الشرور الطبيعية، بل لا يجوز أن يقال أنه "يسمح بها". ما يسمح به بالحقيقة هو أن توجد الخليقة فعلاً لا شكلاً ، أي أن لا تكون مجرد ظلّ له، مما يفترض أن يمدّها بالوجود (وإلا لما كانت) وأن ينسحب منها بآن (وإلا لما كانت متمايزة عنه، أي لما كانت فعلاً). هذا ناتج عن كون الله محبة وعن كون الخلق هو فعل محبة. ومن شأن المحبة أن تقيم المحبوب بإزائها وأن ترفض تذويبه فيها وإلغاء فرادته. ولكن ارتضاء الله بأن توجد المخلوقات يعني السماح لها بأن توجد بما لديها من خصوصية، أي بما تتسم به من محدودية ناتجة عن طبيعتها كمخلوقات صادرة من العدم وبالتالي بعيدة عن كمال الوجود. وبعبارة أخرى السماح بأن تكون الكائنات الطبيعية ناقصة وبأن تكون الكائنات العاقلة معرضة إلى جنوح حريتها. هكذا فإن الله، إذ ارتضى الخليقة، قيّد قدرته الإلهية، إذ قَبِلَ أن تجد هذه القدرة لها حدودًا ترسمها محدودية المخلوقات. وهذا ليس تعبيرًا عن ضعف في الله، كما قد نتصوّر، بل عن هذه القدرة المذهلة لديه أن يعلو فوق اقتداره بدل أن يكون أسير هذا الاقتدار. سرّ الشرّ (بوجهيه الطبيعي والخلقي)، هذا السرّ الذي لا يمكن لأحد أن يدّعي جلاءَه بالكلية إنما جلّ همنا هنا أن نتصدى للتعابير المشوهة عنه، هذا السرّ إنما هو كامن في ذلك الاحترام، المحيّر لمداركنا، الذي يبديه الله لواقع مخلوقاته المحدود، وفي إحجامه عن أن يغتصبها اغتصابًا.

ولكن الله، لكونه الخير المطلق والمحبة المطلقة، لا يمكنه أن يكون حياديًا حيال الشرّ الناتج عن محدودية مخلوقاته، كما توحي العبارة القائلة بأنه "يسمح" بهذا الشرّ. كلا، فالشر نقيض الله ولا يمكن أن يقف منه الله موقف الحياد. إنه طعنة له في الصميم. والله يعاني من هذه الطعنة (وإن كانت كيفية هذه المعاناة تفوق مداركنا وتتجاوز تصوراتنا) كما انكشف لنا في صليب يسوع المسيح. إن ارتضاء الله بأن توجد الخليقة فعلاً لم يكن إذًا قبولاً بحدّ قدرته الإلهية وحسب، بل كان أيضًا دخولاً بمعاناة هي بمثابة صليب ارتسم في صميم اللاهوت منذ أن كانت الخليقة، وما صليب الجلجلة سوى أبلغ ترجمة له في التاريخ البشري.

من هذه الزاوية، ومنها فقط، يمكن أن نفهم مأساة الشرّ الخلقي، أي الخطيئة، علىحقيقتها. فقصة الخطيئة ليست قصة عصيان وعقاب، إنها قصة حب مرفوض يعذّب المحبوب والمحبّ معًا. فالموت، بمعناه لا البيولوجيّ بل الكيانيّ، ليس قصاصًا ينزله الله بالإنسان، بل نتيجة محتومة لاغتراب الانسان، بالانغلاق والرفض، عمّن هو ينبوع حياته، وضياعه، من جراء ذلك، في صحراء العزلة والعقم والجفاف والعطش. الله، بهذا المعنى، لا يحكم على الإنسان ولا يدينه، إنما الإنسان يحكم على نفسه بالجدب والتلاشي. وما أبدية جهنم، تلك الأبدية التي هي مجرد احتمال، ولكنه احتمال لا يُستهان به، إلا ترجمة لهذه القدرة الرهيبة التي خُوّل الإنسان إياها، بأن يقول، إذا شاء (ولكن هل يشاء؟)، "لا" لله إلى الأبد، تلك القدرة التي هي الوجه الآخر، المظلم، لقدرته على أن يستجيب بحرية لنداء الحب الذي يخاطب به الله قلبه، فيسعد بلقائه إلى الأبد.

فلا بدّ للحرية المخلوقة من أن يكون لها هذان الوجهان، والله، إذ ارتضاها، دخل في مجازفة، مجازفة التعرض لرفض المحبوب له، بما يعنيه ذلك الرفض من شقاء، لا للإنسان الرافض وحسب، بل لله أيضًا الذي، بما أنه يحب الإنسان أكثر مما يحبّ الإنسان نفسه، يشقى بالتالي لشقائه أكثر مما هو يشقى به.

ولكن الله ليس معاديًا للشر وحسب، إنه مقاوم له أيضًا. هذا ما يشير إليه وجها السرّ الفصحي: صليب وقيامة. إن احتجاب الله الظاهريّ عن الخليقة (كي يدعها تكون، كي لا يذيبها في ذاته) مقرون بحضور خفيّ في قلبها، حضور لولاه لما كانت أصلاً ولما استمرت في الوجود. هذا الحضور (هذه "الطاقات الإلهية" المنبثّة في الموجودات) يوجّه الخليقة بخفر بدل أن يغتصبها اغتصابًا، ويسمو بها تدريجيًا فوق نواقصها وحدودها. ولنا في الخط التصاعدي الذي سلكه تطور المادة والحياة في الكون رغم عثراته، صورة عن هذا التوجيه الإلهي الخفي، الفاعل من خلال نواميس المادة. ولنا في المنجزات التي حققها تدريجيًا الرقيّ الإنساني عبر آلاف من السنين، في مجالات تنظيم الطبيعة وتحسينها وتجميلها، ومكافحة المرض والبؤس والظلم، وإحقاق القيم الحضارية من معرفة وفن وعدل وأمن ورفاهية، صورة عن كيفية إكمال الله لعملية الخلق من خلال الإنسان "صورته" على حد تعبير الكتاب، و"خليفته"، كما ورد في القرآن، ولنا في خطّ الوحي، الذي تُوّج بيسوع المسيح وبالكنيسة التي هي امتداده في التاريخ، صورة عن تربية الله المتأنية، الصبورة، للإنسان، بغية مساعدته على التحرر من شروره وعلى إحقاق إنسانيته وفق المثال الإلهي. ولم يكن موت يسوع، في هذا المنظار، وسيلة لإخماد الغضب الإلهي، بل كان تتويجًا لنهج حياة كشفه الله لنا في إنسانية يسوع، نهج محرَّر من انحرافاتنا المميتة وقادر، إذا ما تمثلناه، أن يعتقنا منها وأن يعيدنا إلى أصالتنا الإنسانية.

هكذا يعاني الله (على طريقته الإلهية التي تفوق إدراكنا) ما نعانيه من شرور، ويكافحها معنا بآن. ولأنه يكافحها، فالكلمة الأخيرة لن تكون للشرّ بل له. لأنه وحده حقيقة الوجود، ولأن الشر لا حقيقة كيانية له، بل هو مجرد تزييف للوجود، يحيا منه ويشوهه بآن، كما تستمد الطفيليات حياتها من الكائنات الحية التي تعيش على استغلالها وتدميرها. إنتصار الله النهائي على الشر، الذي هو أيضًا انتصار الإنسان، هو ما سوف يتجلى في "اليوم الأخير" الذي به سيتوّج الله عملية تجديد الكون التي بدأها منذ القديم والتي دُشِّن اكتمالها بقيامة المسيح. وللمؤمنين رجاء، عبّر عنه أبرار كبار في المسيحية والإسلام، بأن لا يبقى أحد خارج هذا التجديد، وبأن تعود كل حرية منحرفة عن انحرافها وتُقبل إلى الله في مصالحة شاملة يكتمل بها فرح الله بانتصار الحياة في كل إنسان.

تلك هي صورة الله التي حاولنا أن نبرزها من خلال صفحات هذا الكتاب. إنها تشكّل لحمته وحصيلته، ونرجو أن تتوضح للقارئ كلما تقدم في مطالعة هذا المؤلَّف الذي حاولنا قدر الإمكان أن تأتي لغته خالية من التعقيد ومفهومة من إنسان اليوم. نأمل أن تكون هذه الصورة الإنجيلية مبيدة لأوهام طالما تساورنا وتشوه علاقتنا بالله وبالتالي علاقتنا بالناس. نأمل أن تكون نورًا للقلوب والأذهان وسبيلاً إلى إلفة متزايدة مع الإله الذي كشف لنا ذاته بيسوع المسيح، وحافزًا على مزيد من الثقة بأننا محبوبون منه، وبأن حبه هذا أقوى من كل شر، وبأنه عربون لمصير نحظى به بما "لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر" (1كور 2: 9) إذا قبلنا أن نندرج في تيار المحبة هذا ونقلنا لإخوتنا ما نتلقاه من حبّ.

طرابلس – الميناء (لبنان) في 30/4/1993

ك.ب

 
 
 
Copyright © 2005, Orthodox Youth Mouvement of Antioch. All rights reserved.