مقدمة كتاب "كيف نواجه أسئلة أولادنا عن الجنس"

تربية وعلم نفس...

إنطلقت هذه الدراسة من الأسئلة التي تلقيتها من أهالي تلامذة قسم الحضانة والقسم الإبتدائي في إحدى مدارس طرابلس في ربيع 1978 تمهيداً لحديث كانت قد دعتني إدارة هذه المدرسة إلى إلقائه أمامهم حول العلاقات بينهم وبين أولادهم. وقد توزعت الأسئلة المذكورة إلى عدة مواضيع تمّت معالجة بعض منها وأُغفل البعض الآخر لضيق الوقت. وكان من بين المواضيع التي اضطررت إلى إغفالها حينذاك، موضوع مواجهة الوالدين لتساؤلات أولادهم حول الجنس، وهو موضوع كان قد أُثير، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أسئلة الأهل المشار اليها آنفًا، وذلك على الوجه التالي:

·"كيفية الإجابة عن أسئلة الأولاد المحرجة:

أ‌-    من أين يأتي الطفل؟

ب‌- كيف يولد الطفل؟".

·"هل في كذب الوالدين وإعطاء معلومات خاطئة وأجوبة غير صحيحة، لأن ذلك يخلّصهم من ورطة أسئلته وتساؤلاته، أي ضرر على نفسية الطفل؟".

·"لماذا الطفل يسأل أسئلة أكبر من سنّه ولا نعرف كيف نجيبه عنها؟

"هل نجيبهم عنها أم لا؟

"هل الطفل يلاحظ على الوالدين ماذا يجري بينهم أثناء الليل ولماذا؟

"هل يؤثر نوم الطفل مع والديه في نفس الغرفة؟

"أرجو بأن لا تتضايق من هذه الأسئلة وشكراً".

·"ذكية تحب تسأل عن كل شيء..." (عن طفلة في السنة الأولى من روضة الأطفال).

·"كثير الأسئلة لدرجة السؤال عن الموت وأيضاً لدرجة السؤال عن ميعاد زواجه. واسع الخيال واسع الأفكار لدرجة أن لديه أولاد في بيروت، في فرنسا، في جميع أنحاء العالم" (ملاحظة والد عن طفله في السنة الثانية من روضة الأطفال).

وقد وطّدت العزم منذ ذلك الحين على أن أعود ذات يوم إلى هذا الموضوع الحسّاس وأحاول الإجابة عن الأسئلة التي أولاني الوالدون ثقة الإفضاء بها إليّ بشأنه. وها إنه قد أتيح لي، والحمدلله، أن أنجز، ولو متأخراً، الوعد الذي كنت قد قطعته على نفسي، وأن أقدِّم "لزملائي" و"زميلاتي" في هذه "المهنة" البالغة الدقة والأهمية (مع أنه يندر أن يهتم المجتمع، وخاصة في بلادنا، بإعداد المعنيّين إليها)، "مهنة الوالدين"، أن أقدِّم لهم هذا الكتيب، حلقة جديدة في سلسلة "نحن وأولادنا" الصادرة عن منشورات النور.

مضمون هذا البحث يتركز لا على التربية الجنسية بشكل عام، إنما على ناحية منها على وجه التخصيص، وهي الإعلام الجنسي الذي ينبغي توفيره للأولاد عبر الإجابة عن تساؤلاتهم عن الجنس، وذلك استجابة لما وُجّه إليّ من أسئلة من قِبَل الوالدين. ثم إنني، ضمن هذه الحدود التي رسمتها لدراستي، اخترت لنفسي حدوداً أخرى، ألا وهي أن لا أتناول إلاّ الفترة من العمر التي تسبق  المراهقة، وذلك لإعتبارَين، أولهما أن هذه الفترة أساسية جداً في سياق الإعلام والتربية الجنسيين ولا بدّ بالتالي أن يستند إليها كلّ مجهود لاحق يبذل في هذا الصدد حتى يأتي بكل ثماره، والثانية أن دور الوالدين الأساسي في الإعلام والتربية الجنسيين إنما يأخذ كل حجمه في هذه المرحلة بالذات، أما فيما بعدها، فإن خصائص المراهقة والشباب تقتضي من الوالدين، لا التخلّي عن كل دور من هذا القبيل، انما إفساح المجال إلى حد بعيد لسواهم من أشخاص ومؤسسات ووسائل تربوية يجدها ولدهم خارج حدود الأسرة- تلك الحدود التي تدفع حركة النموّ الفتاة والفتى إلى تجاوزها في هذه المرحلة من العمر- فيتلقى تأثيرها بأكثر ترحيب مما يتلقى توجيه والديه.

إلاّ إن التركيز على الإعلام الجنسي، المعتمد منهجياً في هذه الدراسة، لا يعني البتة إمكانية عزل هذا الإعلام عن الأبعاد الأخرى التي تتكون منها ومنه التربية الجنسية بصورتها المكتملة. فالإعلام (Information)، كما سوف يتبيّن من هذه الدراسة، لا يقتصر على إكساب الولد معلومات ذهنية عن الجنس، إنما يساهم في تحديد موقفه المعاش منه، وبالتالي فهو يصبّ حكماً في تنشئة (Formation)تتعداه. هذه التنشئة يحددها لا مضمون الإعلام وحسب، إنما الخلفية التي ينطلق منها ويتلوّن بها، ألا وهي المناخ الذي يشيعه موقف الوالدين من الجنس، ذلك الموقف الذي يتأثر لا محالة بنوعية العلاقة الزوجية القائمة بينهما. هكذا فإن الإعلام الجنسيّ الوالديّ يتخطى حيّز نقل المعلومات ليحمل رسالة تربوية يتلقفها الولد ليبني بموجبها شخصيته ومواقفه، إن على الصعيد الجنسي أو على الصعيد الإنساني الشامل. إن ما يحتاج الولد إلى اكتشافه والتأكد منه، من خلال الإعلام الجنسي الذي ينتظره من والديه كما ومن خلال مجمل العلاقات الأسرية التي لا يمكن فكّ هذا الإعلام عنها، هو أن الجنس، كما يراه ويحياه والداه، أمر هامّ ومشروع ونظيف وسعيد بحدّ ذاته، وأنه مرتبط بالحب الذي يجمع أبويه أحدهما بالآخر وبحبهما له، وأن كلاً منهما مرتاح إلى صفاته الجنسية المميّزة، من ذكورية أو أنثوية، وإلى الدور الجنسي الذي تحدده هذه الصفات، وأن كليهما يرحّب بالجنس الناشئ لدى ولدهما بما يتميّز به من ذكورة أو أنوثة، ويترقب بفرح نموّه التدريجي وسيره نحو اكتمال الرشد.

هكذا فالإعلام الجنسي يحتاج، لكي يأتي وافيًا وصحيحاً، ولكي يتم بسلامة ويسر، ولكي يتخذ كل أبعاده التربوية التي أشرنا إليها، لا إلى توفّر المعلومات اللازمة لدى الأهل عن موضوع الجنس بكافة نواحيه من تشريحية وفيزيولوجية ونفسية وحسب، مضافة إليها معلومات عن تدرّج الحاجة إلى المعرفة الجنسية لدى الولد وعن الأسلوب التربوي الصحيح لإشباع هذه الحاجة لديه وفقاً للمراحل التي تمرّ بها، إنما يحتاج أيضاً، علاوة على كل ذلك، إلى مراجعة الأهل لمواقفهم العميقة من الجنس ومحاولتهم تصحيح ما اعوجّ منها، عبر اكتساب مزيد من الإطلاع والوعي وبالإستناد إلى حوار زوجيّ حميم وصريح. هكذا تكون تساؤلات أولادهم عن الجنس حافزاً لهم إلى اكتساب المزيد من المعلومات من جهة، وإلى مراجعة المواقف المعاشة وتطويرها نحو الأفضل من جهة أخرى، مما يؤكد مرة أخرى أن التربية عملية متبادلة وأن الوالدين لا يربوّن أولادهم وحسب بل يتلقون منهم أيضاً وبالمقابل تربية تقودهم إلى مزيد من الإكتمال والنضج.

إن هاجس هذا الكتاب هو مساعدة الأهل على القيام بمهمة الإعلام الجنسي بكل أبعادها. إنه لا يدّعي استنفاد الموضوع، خاصة من حيث المعلومات عن الجنس التي يُترك أكثرها لتحصيل الأهل الشخصي من خلال مطالعات يقومون بها إن في الكتب العلمية المختصة أو في الكتب التي وضعت خصيصاً لمساعدتهم على تقديم هذه المعلومات لأولادهم من مختلف الأعمار (علماً بأن هذا النوع الثاني من الكتب متوفر كثيراً في اللغات الأجنبية- وقد ذكرت في حواشي كتابي هذا بعض المراجع من هذا القبيل موضوعة باللغة الفرنسية أو مترجمة إليها- ولكن مكتبتنا العربية لا تزال تفتقر كثيراً إليه على ما أعتقد). إنما همه الأساسيّ هو طرح الموضوع بوضوح من كل جوانبه وتقديم العناصر التي من شأنها أن تساعد الوالدين على مواجهته بأسلم ما يمكن من سبل وأفضل ما يمكن من نتائج. كما أنه يقدّم لمن شاء منهم الإستزادة في الموضوع عدداً لا بأس به من المراجع، أكثرها للأسف باللغة الفرنسية (إنما أشير إلى المترجَم منها إلى اللغة العربية في حال معرفة المؤلف بوجود هكذا ترجمة).

لقد حُرّر هذا الكتاب في فترة كانت تشتعل فيها مناطق بلدي لبنان، ومنها طرابلس مدينتي، بحرب أهلية شرسة ومدمّرة. وكنتُ، في خضم هذا الجوّ المأساوي، أتوق إلى أن تساهم هذه الدراسة، على تواضعها، في إرساء قواعد مجتمع لبناني جديد يكون أقلّ إفرازاً للعنف من ذاك الذي قادنا (بالتآزر مع العوامل الخارجية) إلى الإقتتال البشع الذي نشهده منذ حوالي ثمانية أعوام. ذلك إن تربية الجنس- والأسرة تشكّل الأساس الذي لا يُستعاض عنه لهذه التربية- إنما هي في آخر المطاف تربية طاقة الحب الكامنة في الإنسان. إن تبخيس الجنس وتأثيمه لا يزالان، للأسف، القاعدة التي تستند إليها "التربية" في مجتمعنا، إذ أن الجنس لا يزال يُعتبر، حسب الرأي الشائع فيه، "رجسًا من عمل الشيطان"، يُضفي إليه عقد الزواج طابعًا شرعياً دون أن يبدّل شيئاً في طبيعته. من هنا هذا الموقف القمعيّ المتخذ منه منذ ظهور بوادره عند الطفل، والمتمثل برفض كل فضول جنسيّ يبديه هذا الأخير إن بكلامه أو بسلوكه. ولكن هذا الموقف ينقلب على النية المعلَنَة لدى الذين يبرّرونه ويدافعون عنه. فإنه، عوض أن يهذّب الجنس كما يدّعون، يؤول بالعكس إلى تلويثه وإفساده. ذلك أن الجنس، في بداياته المتواضعة هذه، يحمل بذور طاقة الحب كما ألمحنا. فإذا أُتيح له أن ينطلق في جوّ مؤاتٍ من العطف والتفهّم والرعاية، كان له حظ كبير بأن ينمو بشكل متكامل منسجم وبأن تنمو معه طاقة الحب التي من شأنها هي، ومن شأنها وحدها، أن تهذبه في العمق، كما يوضح المحلل النفسي والمربي الكبير الدكتور أندره برج، لأنها وحدها تحرره فعلاً من عشوائية الغريزة وأنانيتها. أمّا إذا تنكرت له التربية وحاولت ضربه في جذوره ولجمه في منابعه، فإن جلّ ما تصل إليه، في معظم الحالات، هو مسخه وتشويهه. ذلك أن الإدانة والتأثيم اللذين يحاط بهما وهو لا يزال في المهد يوصمانه باللعنة ويقيمان فيه انفصاماً مدمّراً بين الغريزة وطاقة الحب المتبرعمة في ثناياها، فتُعزَل طاقة الحب عن تربتها الطبيعية مما يعطّل نموّها ويحكم عليها بالشلل، بينما تُحرم الغريزة من وازعها الطبيعي ويُبعد بينها وبين غرضها الإنساني المتوازن الذي يقودها وحده إلى إشباع حقيقي، فتندفع على غير هدى في متاهات ممارسات منحرفة ليس بأقلها تسخير الطاقة الجنسية عينها في خدمة أغراض عدوانية مدمّرة ذات طابع ساديّ ظاهر أو مستتر (قد يتحوّل إلى طابع ماسوشيّ أو يتواجد معه، من جراء ارتداد العدوان على الذات) ينفّس بها المرء عن الضيق الناتج من الإحباط الذي يعانيه في حياته العاطفية نتيجة ما يطبعها من فصام وتمزّق. هكذا -ويا للغرابة!-  تُحوّل طاقة الحياة عن غايتها وتسخّر في خدمة الموت. هذا، ولا شك، يلقي ضوءاً على بعض الأسباب العميقة للعنف المجنون الذي شهدناه ولا نزال في الحرب اللبنانية.

رجائي أن يساهم هذا الكتاب، وإن بقسط متواضع جداً، في إرساء قواعد تربية جنسية أسريّة متفهمة، منفتحة، متوازنة، توفّر للولد مناخًا يتمرس فيه على التوفيق بين الغريزة والحنان، بحيث تنمو طاقة الحبّ فيه منسجمة، متكاملة، تغتذي من زخم النزوات وتوجّه هذه الأخيرة إلى ما فيه "أنسنتها"، تربية يكون من شأنها إعداد جيل من الشخصيات الناضجة، المتّزنة، المنشرحة، التي لا تجد حاجة إلى اعتماد العنف للتنفيس عن الإنفصام والعقم والتمزق، وبعبارة أخرى تربية تؤول إلى تغليب المحبة على الحقد والمشاركة على القهر والحياة على الموت.

اسكلة طرابلس، لبنان، في 14 كانون الثاني 1983

ك.ب.

 
 
 
Copyright © 2005, Orthodox Youth Mouvement of Antioch. All rights reserved.