|
- الظروف التي برزت فيها وثيقة "التزام شؤون الأرض". عناصر من أجل
تأريخ تطور الفكر الاجتماعي في حركة الشبيبة الأرثوذكسية (1992)
تقديم:
هذا الحديث ألقي القسم الأول منه في بيت حركة الشبيبة الأرثوذكسية في
الميناء، مساء 10 أيلول 1992، أمام مجموعة من أسرة "العاملين"، وبطلب
ودعوة إحدى فرق الأسرة، وهي فرقة القديس يوحنا الدمشقي.فكان له وقع
طيّب على السامعين. وقد كان مخططاً أن يُلقى القسم الثاني بعد أسبوعين،
وأن يعاد الحديث أمام أسرة الجامعيين. ولكن المرض الذي داهمني في 18 من
الشهر نفسه حال دون تحقيق هذه المواعيد. لذا أتوخى، من خلال نشره،
تعويض الثغرة التي حصلت وتعميم الفائدة.
في 03/11/2005
توطئة:
إن الذاكرة الحركيّة شرط لترسيخ الهوية وتوفير شروط الديمومة الخلاّقة
.. فمن لا يعي تاريخه، كيف تكون له هوية؟ وكيف يكون له أفق؟
مقدمة:
أُقرت "وثيقة التزام شؤون الأرض" في المؤتمر الحركيّ الثاني عشر،
المنعقد في البلمند في كانون الأول 1970. وسأحاول أن أبيّن كيف أنها
أتت حصيلة التلاقي بين ثلاثة خطوط، خطّ السياسية العالمية والإقليمية،
خطّ الالتزام المسيحي، عالمياً ومحلياً، خطّ المسار الحركيّ.
أولا": خطّ السياسة العالمية والإقليمية:
تميّز هذا الخطّ، في الحقبة التي برزت فيها "وثيقة التزام شؤون الأرض"
بما يمكن تسميته بـ "المدّ التحرري العالميّ"، من جهة، وقد شغل هذا
المدّ الفترة الممتدة بين 1960 و1975 على وجه التقريب، وبوضع تأزّم
وغليان في المنطقة العربية، من جهة أخرى، تلا الهزيمة التي منيَ بها
العرب في حرب حزيران 1967، وهو وضع برزت فيه القضية الفلسطينية كقضية
محوريّة في المنطقة ووُضع فيه الكيان اللبناني أمام امتحان عسير.
I
– المدّ التحرريّ العالميّ
يصعب علينا اليوم، ونحن نعيش انخسار الطموحات الإنسانية الكبرى التي
غيّبها ضجيج الأصوليات المتشنّجة وصراع القوميات الضيقة والهجمة الشرسة
التي تشنّها قوى المال العالمية المنضوية تحت لواء "الليبرالية
الجديدة"، والتحالفات المقصودة أو الموضوعية بين هذه العناصر، يصعب
علينا أن نتصوّر حجم الآمال الجسام التي كانت تهزّ الإنسانية قاطبة في
الفترة المضطربة والواعدة التي نحن بصددها والتي إليكم بعض معالمها ذات
الدلالة الخاصة:
1 – حرب فيتنام (1965 – 1975)
وما أثارته هذه الحرب:
أ – في العالم قاطبة، من أمل بتحرّر الشعوب المقهورة، أيقظه صمود شعب
صغير وانتصاره في معركة طويلة ضد أعظم دولة في العالم.
ب – في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، من يقظة وتمرّد لدى الشباب
الذين ذاقوا، لأول مرة، بهذا الحجم، مرارة الحرب، وأدركوا أنهم كانوا
وقوداً لمصالح شرسة لا تقيم وزناً لحياتهم وأحلامهم.
2 – تحرر عدة شعوب كانت مستعمرة
أ- الجزائر (اتفاقات
Evian
في 18/03/1962)
ب – أنغولا: تحررت في 14 تشرين الثاني 1975.
ج – الموزامبيق: تحررت في 25 حزيران 1975.
3 - الانتفاضات الشبابية في العالم الغربي
التي بلغت ذروتها في أيار 1968 في فرنسا والتي عبّرت عن اعتراض الشباب
الجذري
Contestation
على المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي وحضارة العزلة والسأم واللامعنى التي
يفرزها، اعتراض عبّر عنه مثلاً هذا الشعار الذي كتب على أحد جدران
باريس:"نرفض عالماً تُستبدل فيه حتمية الموت جوعاً بخطر الموت سأماً."
4 – حركات النضال اللاعنفي
أ – في الولايات المتحدة، مارتن لوثر كينغ الذي بدأ نضاله من
أجل الحقوق المدنيّة للسود سنة 1955، وتعاظم نضاله هذا في الستينات،
وازداد جذرية بعد اندلاع حرب فيتنام. وقد اغتيل مارتن لوثر كينغ سنة
1968 فيما كان يستعد لقيادة مظاهرة للفقراء.
ب – ألبرت لوتولي، المناضل اللاعنفي ضد سياسة التفريق العنصري
في أفريقيا الجنوبية، والذي نال جائزة نوبل للسلام سنة 1961. وقد كان
لحوادث شاربفيل التي أطلقت فيها الشرطة النار على تظاهرة لاعنفية للسود
فقتلت منهم 69 وجرحت الكثيرين، وكان من بين الضحايا العديد من النساء
والأطفال، كان لهذه الحوادث صدىً عالميّ مدوٍّ، حتى أن الأعلام نكّست
حداداً في السويد البعيدة.
ج – نضال قيصر شافيز
في الولايات المتحدة: مقاطعة العنب من أجل انتزاع إعتراف الملاّكين
بحقوق العمال الزراعيين الـ
Chicanos
في تأسيس نقابة لهم (1965 – 1971) وتضامن العمال عالمياً مع هذه
المقاطعة عِبرَ رفض عمال المرافئ (في سان فرنسيسكو وإنكلترا وفنلندا
والسويد والنروج) شحن أو تفريغ العنب الذي حاول الملاكون في كاليفورنيا
تصديره إلى الخارج كسراً للطوق.
5 – تعاظم حركات الاحتجاج في المعسكر الاشتراكي
أ- انتفاضة "ربيع براغ"
وقد طالبت، مع دوبتشيك، بـ "اشتراكية ذات وجه إنساني" (1968).
ب – ظاهرة الكتّاب السوفياتيين المنشقّين، وفضحهم لمخازي العهد
الستاليني، وخاصة معسكرات الاعتقال، في ظل بوادر التحرّر التي ظهرت بعد
المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي (1956):
·
ألكسندر سولجنتسين
v
بروزه في عهد خروتشيف بكتاب
Une journée d’Ivan
Denissovitch
(1962)
v
احتجاجه على الرقابة لدى اتحاد الكتّاب (1967) وطرده منه (1969).
v
رواياته المنشورة في الخارج: "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" (1968).
v
حصوله على جائزة نوبل في الأدب (1970).
v
كتابه الموسوعي عن معسكرات الاعتقال
L’Arehipel du
Goulag،
وقد صدر الجزء الأول منه في الخارج سنة 1974.
v
طرده من الاتحاد السوفياتي سنة 1974.
·
أفغينيا غوينـزبورغ
وشهادتها عن الاستبداد في العهد الستاليني
Le
Vertige
(1967).
II
– التأزم والغليان في المنطقة العربية وفي لبنان
1 – صدمة هزيمة حرب حزيران 1967.
2 – تعاظم المقاومة الفلسطينية، وما أيقظته هذه المقاومة من آمال جسام
بعد الهزيمة. اعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة، سنة 1974، بحقّ
الفلسطينيين في تقرير المصير.
3 – الصدام في لبنان بين السلطة والمقاومة الفلسطينية، والانقسام في
صفوف الشعب بين أنصار هذه المقاومة وخصومها، وقد اتخذ بعداً طائفياً.
زاد من هذا التأزم نزوح عدد جديد من الفلسطينيين إلى لبنان بعد
الصدامات الأردنية – الفلسطينية ("أيلول الأسود" 1970) والهجمات التي
كان الإسرائيليون يشنّونها على لبنان على سبيل الثأر من الأعمال
الفدائية: تدمير 13 طائرة في مطار بيروت (28 كانون الأول 1968) اغتيال
قادة فلسطينيين في بيروت على يد كوماندوس إسرائيلي (9 و10 نيسان 1973).
وقد عاش البلد من جراء ذلك حالة من عدم الاستقرار تخلّلتها أزمات
وزارية وتظاهرات وصدامات (معارك بين الجيش والفدائيين في 12 أيار 1973)
وتعمّق الانقسام الطائفي حول موضوع مدى مساندة لبنان للقضية الفلسطينية
ومدى التزامه للقضية العربية.
4 – في هذه الأوضاع المضطربة تزايدت الانتفاضات الطلابية في لبنان
ونادت بمطالب وطنية ("أخلقوا لبنان الحق") ومطالب طلابية (المشاركة)،
وصارت الجامعة اللبنانية بوتقة ينصهر فيها الشباب من مختلف الطوائف في
اتجاهات تحررية مشتركة.
5 – في أوائل السبعينات، أثارت "حكومة الشباب" التي ألّفها صائب سلام
وما طرحته من خط "الثورة من فوق"، آمالاً بالإصلاح. وقد استقطب الوزير
اميل بيطار تعاطفاً شعبياً واسعاً بحملته الجريئة ضد مستوردي الأدوية.
ولكن الآمال أُجهضت والوزراء الذين مثلّوها (اميل بيطار، غسان تويني،
هنري إدّه ...) أقيلوا أو اضطروا إلى الاستقالة.
6 – كشفت بعثة ألـ
IRFED،
في بداية الستينات، (بعد مسح طويل ودقيق)، التفاوت الصارخ في مستوى
العيش في لبنان، بين الفئات والمناطق والطوائف، وأنذرت بانفجارات
اجتماعية يُتوقّع حصولها في المدى القريب، إذا لم تتم إصلاحات جذرية
تؤدي إلى نمو متكامل.
7 – كان مطلوباً من لبنان، دولة وشعباً، أن يرتفع إلى مستوى التحدي
الذي شكلّته القضية الفلسطينية له، فينتقل من الحسابات الطائفية ومن
ذهنية التجارة والخدمات، إلى خيارات مصيرية تقتضي إحلال المشاركة بين
كافة أبنائه، والالتزام بقضايا المنطقة. في هذه الحال كانت توفّرت لديه
مقومّات الصمود لا بل كان باستطاعته أن يكون، نظراً للطاقات البشرية
الكبيرة المتوفرة لديه، منارةً ومحرّكاً للمنطقة كلّها. ولكنه فشل في
هذا الامتحان العسير وتجاهل ما كانت بعثة إيرفد قد أنذرته به، فترك قوى
التفكّك تتسرب إليه لتفتك بكيانه. ينبغي أن لا ننسى هذا المخاض الأليم
إذا ما شئنا أن نفهم الإطار الذي نشأت فيه "وثيقة التزام شؤون الأرض".
ثانيا": خطّ الالتزام المسيحي عالمياً ومحلياً
شهدت الحقبة التي نحن بصددها (1960 – 1975) التزاماً متعاظماً من
المسيحيين لشؤون الأرض، إن على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلّي
اللبناني.
I
– على الصعيد العالمي: التزام المسيحيين المتعاظم
لشؤون الأرض
1 – المجمع الفاتيكاني الثاني
كان الحدث
الأساسي على هذا الصعيد انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965)
الذي دما إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون. لقد شكّل هذا المجمع
منعطفاً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، إذ نادى بكنيسة فقيرة وخادمة
كسيدها، كنيسةٍ ليست موجودة من أجل ذاتها، بل "من أجل حياة العالم"
(يوحنا 6: 51). (كان هذا التحوّل انقلاباً على ما ألفته الكتلكة في
تاريخها، حيث كان همها الأول الحرص على كيانها الذاتي كمؤسسة قائمة
والدفاع عن سلامته ولو اقتضى ذلك إهمال أوضاع العالم وغض النظر عن
المظالم التي تفتك به. وكان ذلك قد تجلى مثلاً في فترة ليست بالبعيدة،
عندما هادنت الكتلكة في ألمانيا، بشكل عام، النازية، رغم احتقارها
للإنسان الآخر، وسكتت اجمالاً عن جرائمها ضد الإنسانية، في حين انه،
لما تصدّى ذلك النظام العرقيّ الشرس لحقوقها المؤسساتية في بافاريا،
عرفت كيف تقاومه بنجاح).
2- مؤتمر مدلّين والتزام "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية
وجاء مؤتمر مدلين
Medellin،
سنة 1968، وقد عقده أساقفة أميركا اللاتينية، امتداداً لمواقف المجمع
الفاتيكاني الثاني. تبنى هذا المؤتمر مبادئ "لاهوت التحرير"، الداعي
إلى ترجمة الإيمان المسيحي نضالاً من أجل تحرير الفقراء واعطاء هؤلاء
الأولوية في اهتمامات الكنيسة، وأدى إلى التزام العديد من المسيحيين في
أميركا اللاتينية، بوحي من إيمانهم، قضية تحرير المحرومين والمظلومين،
والى تصدّيهم بالتالي للدكتاتوريات العسكرية السائدة في معظم بلدان شبه
القارة حينذاك، والمتسترة وراء أيديولوجية "الأمن القومي" (أي حماية
الوطن من الشيوعية) وأدّعاء "الدفاع عن الحضارة المسيحية"، من أجل
تثبيت امتيازات الملاّكين الكبار والمتنفّذين الباهظة، ومن ورائها
مصالح البلاد الغنية المستغلة وشركاتها الناهبة لثروات العالم الثالث.
وقد سُجن آلاف المسيحيين واختُطفوا وعُذّبوا واغتيلوا، ومنهم أساقفة
وكهنة ورهبان وراهبات.
3 – الالتزام المسيحي لقضية الإنسان في فرنسا
في فرنسا، كان المجمع الفاتيكاني الثاني ملهماً لعدد متزايد من
الكاثوليك للنضال من أجل مجتمع لا يقيَّم فيه الإنسان بموجب ما يملك بل
بموجب كرامته كشخص إنسانيّ وابن لله. هذا ما أدى إلى كسر المعادلة
التقليدية بين الكثلكة والمحافظة السياسية والى دفع العديد من الكهنة
(خاصة الشباب منهم) ومن المنتسبين إلى المنظمات الكاثوليكية، خاصة
العمالية منها:
JOC
وACO،
إلى التزام الخيار الاشتراكي، وقد لعب هؤلاء دوراً ملموساً في تجديد
الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي كان قد ابتعد عن منابعه الأصلية (إلى حد
مساهمة حكومة غي مولّيه الاشتراكية في حملة عدوانية على مصر سنة 1956،
احتجاجاً على تأميم قناة السويس!)، وفي الكنيسة دفعه إلى اعتماد سياسة
اشتراكية فعلاً. وقد كتب اللاهوتي الكاثوليكي الفرنسي الكبير ايف
كونغار، أحد رواد المجمع الفاتيكاني الثاني كما سبق وأشرنا، كتب بهذا
الصدد سنة 1973:
" (إن الخيار الاشتراكي) هو من الآن فصاعداً خيار عدد كبير من
المسيحيين، من علمانيين وكهنة. إن في هذا لحدثاً ذا أهمية تاريخية
(...) إن هذا التحول للكنيسة الرسمية إلى جانب المظلومين والصغار سوف
يكون، في نظر التاريخ، إحدى سمات الكنيسة التي ما بعد المجمع."
Yves Congar: Vingt ans d’Eglise. Vingt ans d’I.C.I. Une
Eglise vivante, P. 10, Informations Catholiques Internationales,
Paris, No. 434, 15 Juin 1973, PP. 3- 12.
4
- الالتزام المسيحي لقضية الإنسان في الولايات المتحدة
في الولايات المتحدة، التزم عدد من الكهنة والرهبان والراهبات سنة
1968، بقيادة الأخوين الكاهنين فيليب ودانيال برّيغان
Berrigan
بمناهضة الحرب الأميركية ضد شعب فييتنام، وذلك باسم الإنجيل. أحرقوا
رمزياً بالنابالم (ذاك الذي كان الطيران الحربي الأميركي يحرق به القرى
الفيتنامية) دفاتر التجنيد الإجباري، فقُدموا
إلى المحاكمة حيث تطوّع للدفاع عنهم عدد من أبرز المحامين، ومنهم
المدّعي العام السابق رمزي كلارك. (راجع: كهنة وراهبات أميركيون وراء
القضبان، جريدة "الأنوار"، 24 كانون الثاني 1972، ص 7).
5 – مراجعة للنظرة الماركسية إلى الدين
هذا الانقلاب في موقف المسيحيين الذي أعادهم إلى جذورهم الإنجيلية، دفع
بالمقابل العديد من الشيوعيين إلى إعادة النظر في العقيدة الماركسية
التـي تعتبر الدين "أفيونا" للشعب". هذا ما تجلى مثلاً في مواقف أحد
كبار منظري الحزب الشيوعي الفرنسي، روجيـه غارودي، (راجع مثـلاً كتاب
De
L’anathème
au dialogue،
والمقال الذي نعت فيه المسيح بأنه "محرر التاريخ من قيود الحتمية")،
وفي المحاورات التي أخذت تجري بين مفكرين مسيحيين وماركسيين؛ وفي قرار
الحزب الشيوعي الإيطالي – أكبر الأحزاب الشيوعية الأوروبية – بالتخلي
عن الموقف الإلحادي كعقيدة للحزب.
II
– على الصعيد اللبناني: اختراق متزايد للطائفية
وتحسس متعاظم لمسؤولية المسيحيين حيال التحرر والتنمية
1 – ظاهرة المطران جورج خضر
وقد تميز المطران جورج خضر، على هذين الصعيدين، إن بصفحاته النبوية على
صفحات جريدة "لسان الحال"، أو بتدريسه الحضارة الإسلامية في الجامعة
اللبنانية.
2 - ظاهرة المطران غريغوار حداد
وقد تميز المطران غريغوار حداد بتأسيسه "الحركة الاجتماعية"، وهي حركة
تنمية يساهم فيها متطوعون من كل الطوائف في خدمة "كلّ إنسان وكل
الإنسان". وقد أقيل سنة 1974 من رئاسة أبرشية بيروت للروم الكاثوليك
بسبب مواقفه التحررّية، وبتهمة الخروج عن الإيمان. وقد أثارت هذه
الإقالة ضجة كبيرة وقامت مجابهة عارمة ومنظّمة لها في صفوف كنيسة الروم
الكاثوليك. وقد أسس سنة 1974 مجلة "آفاق"، التي أصدرت ملفًا حول "
الالتزام السياسي والإيمان" ساهم فيه المطران جورج خضر والمطران
غريغوار حداد (راجع "آفاق"، السنة الثانية، العدد 11، كانون الثاني
1975، ص 6 إلى 26). ودعا المطران غريغوار إلى التزام المسيحي للتغيير
السياسي بوحي من إيمانه، قال:
"إن كل مجتمع مؤلف من سلطة حاكمة ومن محكومين، فإذا كان تغيير الوضع
القائم من أجل خدمة الأكثرية المحرومة لا يتمّ إلا بواسطة العمل
السياسي، فالمسيحي المؤمن والمنطقي يجب أن يلتزم بالتغيير السياسي لأن
إيمانه يدعوه إلى إزالة الظلم الواقع على أي إنسان". (محاضرة ألقاها في
كلية العلوم في الجامعة اللبنانية أمام حشد من الطلاب. راجع جريدة
"النهار" 4/2/1975، ص 4).
3 - ظاهرة الأب هكتور دويهي
(هذا الكاهن الشاب، الذي اشتهر بتمييزه بين "كنيسة الحجر" و"كنسية
البشر")، مارس تأثيراً تحريرياً واسعاً وعميقاً، في أحد معاقل
الإقطاعية، على الشباب (الذين كانوا يزدحمون للاستماع إلى أحاديثه
الدينية) وقد عوقب من قِبَل السلطة الكنسية المارونية (بمنعه من
التعليم – وهو ما اضطره إلى الهجرة).
4 - ظاهرة نداء دير يسوع الملك
في أواخر الستينات عقد، في دير يسوع الملك، اجتماع ضم كهنة ورهباناً
وراهبات وشباباً علمانيين ملتزمين، ينتمون إلى الجناح المنفتح في
الكنسية المارونية، المتأثر بمناخ المجمع الفاتيكاني الثاني، وقد
شاركهم عدد من أعضاء حركة الشبيبة الأرثوذكسية (ومن بينهم نديم طرزي
ومود نحاس). وقد صدر عن الاجتماع بيان نادى بنهاية الكنسية - المعقل
وبتبني المسيحيين لقضايا المنطقة العربية. أحدث هذا البيان خضّة في
الرأي العام الماروني واللبناني.
5 – صدور ملف "كنسيتنا على المحكّ"
وفي سنة 1969، صدر ملف بعنوان "كنسيتنا على المحك"، بنصين، أحدهما
باللغة العربية صدر، بالعنوان المذكور، عن جريدة "الجريدة" والآخر
باللغة الفرنسية، بعنوان
Notre
Eglise en question
صدر عن جريدة
L’Orient
. كان الملف امتداداً لاجتماع دير يسوع الملك وقد حوى مقالات لعدد من
الحركيّين.
ثالثا": خط المسار الحركيّ في اكتشافه المتزايد للبعد السياسي
للإيمان
في الستينات، وفي الإطار العام الذي حاولنا رسم بعض معالمه، بدأ
التحسّس للبعد السياسي للإيمان يتعاظم ويتسارع في الحركة، انطلاقاً مما
نصّت عنه المبادئ الحركيّة منذ التأسيس (راجع المبدأ الرابع) وفي ضوء
التحوّلات التي كان يشهدها العالم والمنطقة والتطوّر الحاصل في صفوف
المسيحيين أنفسهم عالمياً ومحلياً.
1
– الباكورة : الاهتمام بقضايا العمل والعمال.
كانت باكورة هذا التحسس هي الاهتمام بقضايا العمل والعمّال. وقد بدأ
هذا الاهتمام يبرز منذ الخمسينات مع إيجاد "شعبة العمال" التي كانت
تحظى باهتمام خاص. وقد برز من بين مظاهر هذا الاهتمام الاحتفال بعيد
العمل حركياً، فاتخذ هذا العيد المدني (الذي وُضع أصلاً لتخليد
ذكرى عمال دفعوا، في مثل ذلك التاريخ، دمهم ثمناً لمطالبتهم بحقوقهم
المهدورة) مناسبة لإبراز المعاني المسيحية للعمل من جهة، وللمناداة
بإحقاق حقوق العمال وتحريرهم من الاستغلال ولدعوتهم إلى الانخراط في
العمل النقابي من جهة أخرى، راجع بهذا الصدد:
·
كوستي بندلي: العمل مفديّ بالتجسد (مجلة "النور"، 15 حزيران 1964، ص
161 – 162). وهي كلمة رئيس مركز طرابلس آنذاك في احتفال شعبة العمال
بعيد العمل.
·
نديم حيدر: المسيحي والعمل (مجلة "النور"، نيسان وأيار 1965، ص 112
-113). وهي كلمة نديم حيدر في احتفال شعبة العمال بعيد العمل في تلك
السنة، الذي تجدون وصفًا له في العدد نفسه من "النور"، ص 127.
(هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحركة في الميناء، بفضل وجود الأب جورج خضر
كاهناً في الميناء في ذلك الحين، توصلت إلى جعل الاحتفال بعيد العمل
يتحوّل إلى عيد كنسيّ يقام فيه قداس على نية العمّال تُدعى إليه
الرعية، وضع نصوص خدمته الأب جورج خضر، وتليه مائدة محبة على شرف
العمّال).
2 – دور جورج صوري في هذا الميدان
وقد لعب جورج صوري (الأب جورج صوري في ما بعد) دوراً بارزاً في هذا
الميدان. إذ ترأس (وكان شاباً يعمل في التبليط) شعبة العمال في الميناء
فترة من الزمان، فظهر قيادياً حركياً ونقابياً بآن، وثق به زملاؤه عمال
البناء فانتخبوه أمين صندوق لنقابتهم. وقد لعب دوراً بارزاً في إحياء
النقابة المذكورة وتنقيتها من شوائبها وكان مثاله قدوة لسواه من العمال
الحركيّين دفعتهم إلى الإقدام على الالتزام النقابي.
3 – الأبحاث الاجتماعية الصادرة عن حركيين بين 1962 و1965
(وقد صدر عن حركيين، بين 1962 و1965، أبحاثٌ تناولت مواضيع اجتماعية
عولجت في ضوء الإيمان والتراث الكتابي والآبائي، أذكر منها:)
·
الأب جورج خضر: الفقر والغنى في الكتاب المقدس (مجلة "النور"، 31 تشرين
الأول 1962).
·
الأب جورج خضر: الفقر والغنى عند الآباء (مجلة "النور"، تشرين الثاني
1962).
·
كوستي بندلي: المسيح والعنف (مجلة "النور"، 30 حزيران 1962).
·
اسبيرو جبور: المسيح والفقراء. أقوال الآباء (مجلة "النور" آذار 1965)
(كان قد صدر، بهذا الصدد: باسيليوس الكبير: العظة السادسة على الإنجيل.
"ضد الغنى"، "النور"، 30 نيسان 1962).
·
سنة 1962، بدأ الأب جورج خضر يكتب في جريدة "لسان الحال" البيروتية،
مقالات أسبوعية بتوقيع "وائل الراوي" كان يتعرض فيها لكافة قضايا
الساعة وينقل عبرها فكراً اجتماعياً من وحي الإنجيل.
·
سنة 1965، شارك الأب جورج خضر والأستاذ ألبير لحّام في محاضرات "الندوة
اللبنانية" التي كان يديرها الأستاذ ميشال أسمر في بيروت، وكان يشارك
فيها نخبة من رجال الفكر والدين والسياسة... وقد صدر لهما في مجلة
"محاضرات الندوة" المقالان التاليان:
§
الأب جورج خضر: المسيحية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، مجلة
"محاضرات الندوة"، النشرة 8-11، 1965.
§
الأستاذ ألبير لحام: العدالة السياسية في المسيحية، المجلة نفسها،
النشرة 11-12، 1966.
4 – دراسة نقدية منفتحة للماركسية في الحركة (بدءاً من 1965)
وكان لا بد للحركة، في سياق بناء فكرها الاجتماعي، من مواجهة الماركسية
التي كانت في الستينات محطّ أنظار العديد من المفكّرين، عالمياً
ومحلياً، والتي كانت تحمل آمال التحرّر لمئات الملايين من الفقراء
والمقهورين. وقد تميزت المواجهة الحركيّة للفكرة والخبرة الماركسيَّين،
بتمسّك بالإيمان مقرون بانفتاح على الماركسية، على مواطن الحق والخير
فيها، لا بل وبانتقاد للممارسات المسيحية التاريخية في ضوء هذا الحقّ
وهذا الخير.
وقد بدأت مواجهة الماركسية هذه تتبلور في الحركة حوالي 1965، إذ كان
العديد من شباب الحركة – ومن الجامعيين منهم بنوع أخصّ – يتوقون إلى
تكوين موقف من الماركسية واعياً ومسؤولاً، ينطلق من معرفة موضوعية لها
تترافق مع تجذّر في إيمانهم، خاصة وإن البعض منهم كانت تستهويهم
الماركسية بنواحيها العلمية والإنسانية وتطرح على إيمانهم أسئلة جذرية
– ومن المساهمات الحركيّة في هذا الميدان أذكر:
·
الأرشمندريت الياس مرقص: حول الشيوعية، "النور"، أيلول 1965، ص
208-213، و"النور"، تشرين الأول 1965، ص 242 – 251 (هذا المقال كان في
الأصل، على ما أذكر، محاضرة ألقاها الأب الياس مرقص في إطار اللقاء
السنوي للطلاب الحركيّين الذي كان يُعقد في الصيف في كلية البشارة في
بيروت لعدة سنوات).
·
حوالي 1965 أيضاً، ألقى كوستي بندلي حديثاً في أحد اللقاءات الطلابية
الحركيّة العامة (جرى في دير بكفتين على ما أذكر) عن الماركسية
والإيمان (راجع أيضاً: كوستي بندلي: الله والفكر البشري، "النور"،
أيلول 1965، ص 198 – 207، و"النور"، تشرين الأول 1965، ص 230-236) اتخذ
منطلقاً لكتابه الصادر سنة 1968، عن منشورات النور، بعنوان "اله
الإلحاد المعاصر"، وكان اكثر من نصفه مخصصاً لدراسة بعنوان "اله ماركس
واله المسيحيين". هذا الكتاب – الذي صادف رواجاً واسعاً بفضل حسن
تسويقه من قبل دار النهار للتوزيع، وكان لفترة بين الكتب الأكثر مبيعاً
في مكتبات بيروت، وكتبت عنه العديد من الصحف، وحُدّد مرجعاً لطلاب إحدى
الجامعات – كان، باعتقادي، رائداً في المنطقة من حيث منهجه (وهذا ما
نوّهت به المقالات النقدية التي كتبت عنه) إذ لم يُكتب بالروح الجدَلية
المألوفة في مثل هذه المواضيع بل كان حوارياً يحاول مخلصًا أن يستلهم
حقائق الماركسية ليتصدى بها للانحرافات الفكرية والسلوكية التي تشوّه
راهناً إيمان المسيحيين.
·
في هذا الحوار مع الفكر المعاصر، كان الأب حورج خضر، كالعادة، قد رسم
لنا الطريق، وذلك بمقال افتتاحي كتبه في مجلة "النور" في مطلع 1965
وشكّل منعطفاً في المسار الحركيّ. كان المقال بعنوان "المطلاّت
الأربعة"، وقد فصّلها الكاتب على الوجه التالي: الإنسان المعاصر،
المشكلة الاجتماعية، الإسلام، وحدة الكنيسة ("النور"، شباط 1965، ص
33-37).
5 – احتفال الحركة بيوبيلها الفضيّ (1967)
احتفلت الحركة سنة 1967 باليوبيل الفضي لتأسيسها (1942 – 1967). وقد
كان هذا الاحتفال – الذي تصادف تاريخه مأساوياً مع تاريخ الهزيمة التي
زلزلت المنطقة وغيّرت مجرى تاريخها – كان هذا الاحتفال محطة هامة في
تطور الفكر الحركيّ الالتزاميّ:
أ – شعار اليوبيل:
فقد اختار الأب جورج خضر، الأمين العام للحركة آنذاك، شعاراً
لليوبيل، هذه الآية الكتابية المعبّرة: "ونادوا بتحرير في الأرض لجميع
أهلها، فيكون لكم يوبيلاً" (لاويين25: 10).
ب – الحفلة الخطابية في بيروت (1 حزيران 1967).
في أول حزيران 1967، أقيمت، بمناسبة اليوبيل، حفلة خطابية في
الجامعة الأميركية في بيروت برعاية البطريرك ثيودوسيوس السادس وحضور
ثلاثة مطارنة (صور وصيدا، اللاذقية، زحلة وبعلبك) وثلاثة أساقفة وعدد
كبير من رجال الاكليروس والنواب والقضاة ومحبي الحركة.
·
|