|
"الشاهد":
ذاك الإستشهاد لم يكن سوى خاتمة وقمة الشهادة التي أداها يوحنا في
حياته. لقد حدد العهد الجديد دوره بإطلاقه عليه لقب الشاهد: "هذا جاء
للشهادة ليشهد للنور.. لم يكن هو النور بل ليشهد
للنور..." (يو 1: 7 و8). على ضفاف الأردن شهد يوحنا ليسوع، شهد له قبل
ظهوره قائلاً: "ولكن يأتي بعدي من هو أقوى مني، وانا لا أستحق أن أحل
سيور نعليه، فهو يعمدكم بالروح القدس والنار" (لو 3: 16) وأخبر أنه
الفادى المنتظر والديان "الذي يجمع القمح إلى أهرائه وأما التبن فيحرقه
بنار لا تنطفئ" (لو 3: 17). وعندما ظهر يسوع أشار اليه قائلاً: "هوذا
حمل الله، الذي يرفع خطيئةالعالم... أشهد أن هذا هو ابن الله "(يو 1:
26 و34).
وفي كلتا
الحالتين، نرى يوحنا يحول عنه انتباه تلاميذه- وقد كانوا كثيرين- لكي
يوجهه نحو شخص آخر. ذلك أن يوحنا كان الشاهد بكل ما في الكلمة من معنى.
لم يرد أن يبني لنفسه زعامة شخصية. لم يرد أن تلتف حوله الجموع. انما
جل همه كان أن يمحي أمام ذاك الذي كان ينذر بمجيئه.
كان
تلاميذ يوحنا يتضايقون عندما بدأت الجموع تقبل إلى يسوع وتهجر معلمهم،
أما هذا الأخير فأفهمهم أنه هكذا بلغ أمنيته: "ينبغي له أن ينمو، ولي
أن أنقص" (يو 3: 30). لقد أرسل بنفسه تلاميذه إلى يسوع، وافهمهم ان
العريس الذي اليه يزف شعب الله، ذلك العريس الذي تحدث عنه نشيد الأنشاد
والذي وُلدت الكنيسة بالدم والماء المتدفقين من جنبه المطعون على
الصليب كما خرجت حواء من جنب آدم، أن ذلك العريس هو يسوع وأنه هو يوحنا
صديق العريس الذي خطب له الشعب على ضفاف الأردن: "من له العروس فهو
العريس، واما صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه فانه يهتز فرحاً لصوت
العريس، فذلك هو فرحي، وقد اكتمل" (يو 3: 29).
لقد كان
فرح يوحنا بأن يمحي لكي يصبح كله شفافية للمسيح النور، بأن يكون "مصباح
النور" كما تدعوه الكنيسة، فلا يلتفت الناس اليه بل إلى النور الذي من
خلاله يشع. لقد أراد أن يكون "صوت الكلمة"، والصوت ليست له أهمية بحد
ذاته، انما أهميته أنه ينقل الكلمة بنبرة تهز القلوب. وكما يضمحل
الكوكب السحري عند شروق الشمس هكذا توارى يوحنا وراء نور المخلص.
"المشهود
له": ولأن يوحنا أفرغ هكذا ذاته، فقد حظي بأن يمتلئ من المجد
الإلهي، وبأن يشهد له الرب نفسه شهادة تغني عن كل مديح: "الحق أقول
لكم، انه لم يقم، في مواليد النساء، أعظم من يوحنا المعمدان" (متى 11:
11). ولذا رتلت الكنيسة: "نذكار الصديق بالمديح، وأما أنت أيها السابق
فتكفيك شهادة الرب..." ووضعت ايقونته في كنائسها في المرتبة الثالثة
بعد ايقونة السيد وايقونة والدة الإله.
فيا رب،
يا من دعوتنا لنكون شهودًا لك، قائلاً: "ستكونون شهوداً لي..." (أعمال
1: 8)، هب لنا أن نسلك على منوال شاهدك يوحنا. أعطنا الغيرة المتوقدة
والجرأة في اعلان حقك. أعطنا أن لا نسعى إلى زعامة وسيطرة مهما كانت
خفية، مستترة، وأن لا نجعل من شخصنا صنماً، وأن لا نقيم ذواتنا حواجز
بين الآخرين وبينك، اجعلنا فقط علامة نيرة ترفع الأبصار اليك. يا رب،
لقد كان همّ يوحنا أن يمهد لإتصال بين الناس وبينك، لذلك أشار اليك
فتبعك تلميذاه أندرواس ويوحنا ومكثا عندك وأقاما معك حواراً تقرر به
مصيرهما (يو 1: 35-39)، أعطنا أن نفهم نحن أيضاً أن مصير النفوس يتقرر
في ذاك الحوار الشخصي، الخفي، معك، وان نفسح المجال لحوار كهذا بينك
وبين كل من الذين أعطي لنا أن نهتم بأمرهم، لكي يؤخذوا بنورك وحلاوتك
ويمجدوك معنا إلى الأبد، بشفاعة سابقك يوحنا وجميع قديسيك. آمين. |